الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
21
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الأعليان بقرينة المقام كقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا ابن عبد المطّلب » . وجملة إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ تذييل بتمجيد هذه النعم ، وأنها كائنة على وفق علمه وحكمته ، فعلمه هو علمه بالنفوس الصالحة لهذه الفضائل ، لأنّه خلقها لقبول ذلك فعلمه بها سابق ، وحكمته وضع النعم في مواضعها المناسبة . وتصدير الجملة ب إِنَّ للاهتمام لا للتّأكيد إذ لا يشك يوسف - عليه السّلام - في علم اللّه وحكمته . والاهتمام ذريعة إلى إفادة التعليل . والتفريع في ذلك تعريض بالثناء على يوسف - عليه السّلام - وتأهّله لمثل تلك الفضائل . [ 7 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 7 ] لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ ( 7 ) جملة ابتدائية ، وهي مبدأ القصص المقصود ، إذ كان ما قبله كالمقدمة له المنبئة بنباهة شأن صاحب القصة ، فليس هو من الحوادث التي لحقت يوسف - عليه السّلام - ولهذا كان أسلوب هذه الجملة كأسلوب القصص ، وهو قوله : إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا [ سورة يوسف : 8 ] نظير قوله تعالى : إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [ سورة ص : 70 ، 71 ] إلى آخر القصة . والظرفية المستفاد من فِي ظرفية مجازية بتشبيه مقارنة الدليل للمدلول بمقارنة المظروف للظرف ، أي لقد كان شأن يوسف - عليه السّلام - وإخوته مقارنا لدلائل عظيمة من العبر والمواعظ ، والتعريف بعظيم صنع اللّه تعالى وتقديره . والآيات : الدلائل على ما تتطلب معرفته من الأمور الخفية . والآيات حقيقة في آيات الطريق ، وهي علامات يجعلونها في المفاوز تكون بادية لا تغمرها الرمال لتكون مرشدة للسائرين ، ثم أطلقت على حجج الصدق ، وأدلة المعلومات الدقيقة . وجمع الآيات هنا مراعى فيه تعدّدها وتعدّد أنواعها ، ففي قصة يوسف - عليه السّلام - دلائل على ما للصّبر وحسن الطويّة من عواقب الخير والنصر ، أو على ما للحسد والإضرار بالنّاس من الخيبة والاندحار والهبوط . وفيها من الدلائل على صدق النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، وأنّ القرآن وحي من اللّه ، إذ جاء في هذه السورة ما لا يعلمه إلّا أحبار أهل الكتاب دون قراءة ولا كتاب وذلك من المعجزات .